منذ 14 فبراير ونحن نراقب ما يجري فى مملكة البحرين تلك
الجزيرة الصغيرة فى الخليج العربية والعضو الأصغر فى منظومة مجلس التعاون الخليجي
، هذه الدولة التى كان ينظر لها نظرة خاصة لما تتمتع به من خصوصية اجتماعية
واقتصادية منفتحة علي العالم تكاد تكون قد فاقت كل دول المجلس الست منذ عقود أربع
، إلا أن هذه الدولة الفقيرة لم تستطع مقارعة المنافسة القوية التى أطلقتها إمارة
دبي فى الإنفتاح علي العالم واستقطاب الاستثمارات الأجنبية خاصة بعد انهيار هونغ
كونغ وعودتها حضن الأم الصين ، مملكة البحرين ازاء هذا التنافس فقدت عشرات الشركات
والبنوك الأجنبية والتى كانت البحرين موطن بنوك الأوفشور فى المنطقة ، ناهيك عن
تأخرها فى سن قوانين من شأنها استمرار المؤسسات المالية الأجنبية فى العمل فى هذه
الجزيرة الصغيرة ، إضافة تأخرها فى مشاريع التنمية والتى تعمل علي تطوير البنية
التحتية والاهتمام بالعنصر البشري الذي يحتاجه السوق المحلي للشركات والمؤسسات
المالية . هذا مع بروز صراع علي الاستحواذ علي أكبر قدر ممكن آليات الاقتصاد
البحريني والذي تزعمه رئيس الوزراء خليفه بن سلمان منذ عهد الأمير السابق عيسي بن
سلمان واستمراره مع وجود الملك حمد ، وتمثل هذا الصراع في قيام رئيس الوزراء خليفه
بدفن أكبر قدر ممكن من مياه البحر وتقسيم الأراضي لبيعها علي المؤسسات المالية تحت
ذريعة التطوير الاقتصادي فى البحرين وملاحقة ركب إمارة دبي التي سبقتها بمليون
خطوة فى البناء والتوسع العمراني وإنشاء المجمعات التجارية والفنادق الفاخرة لاستقطاب
السواح من الدول الأوروبية ، في مقابل قيام الملك بإنشاء حلبة فورمولا 1 باعتقاد
أن هذه الحلبة ستدر علي المملكة مليارات الدولارات من خلال السباق السنوي الذي
ستنظمه سنزيا ، إلا أن المشروع فشل فشلا ذريعا فيما رئيس الوزراء استطاع أن يجمع عشرات
الملايين جراء بيع أراضي اصطنعها بدفن البحر ، ولعل النكته التى يتداولها أهل
البحرين أن رئيس الوزراء قام بإزالة الميناء القديم ( المرفأ المالي حاليا ) وبناء
مجمعات تجارية بمقابل قيمة صورية تعادل دينار بحريني أي ما يعادل ثلاثة دولارات ..
أحوال البحرين لم تتطور مع التطور العمراني وإنما تراجعت إلي الوراء والبطالة
استشرت أكثر من ذي قبل ، فما كان متوقع للتطور الاقتصادي من توفير فرص عمل
للخريجين والعمالة البحرينية فإن القطاع الاقتصادي الأكبر والذي يستحوذ عليه رئيس
الوزراء اعتمد اعتمادا كليا علي الأيدي العاملة الوافدة من سوريا والأردن والهند
مع امتياز خاص تمثل فى منحهم الجنسية البحرينية وذلك لإيهام الناس والمؤسسات الاقتصادية
أن تلك العمالة هي بحرينية خالصة والحقيقة عكس ذلك .
أحداث 14 فبراير انطلقت جراء ما يعانيه الشعب البحريني من
فقر مدقع وضيق ذات اليد مع تضييق حكومي متعمد من خلال قرار سابق اتخذته الحكومة
الدكتاتورية والمتمثل فى منع البحرينيين من العمل فى دول مجلس التعاون الخليجي
وعلي وجه الخصوص الكويت وقطر . هذا القرار لم يأتي من فراغ وإنما خوف مسبق لدي
الحكومة من اتصال البحرينيين بالجماعات المعارضة للحكم أو تمكنهم من ادخار أموال
قد تكون سببا فى منافسة المقربين من رئيس الوزراء علي الإستحواذ أكثر بكثير علي
المقومات الاقتصادية وحتي اقتناء العقارات التى ستكون سببا فى رفع مستواهم المعيشي
.
والسؤال الذي يطرحه البحرينيون قبل غيرهم لماذا اتخذت
الحكومة الخليفية قرار قمع التظاهرات بعدما أوقفتها لأيام ؟ يقول المقربون من
الحكم أن الحكومة لم تكن مهيأة لمواجهة الجماهير بهذا الحجم الذي ربما لم تكن
تتوقعه باعتبار أن الأمر لن يطول سوي أيام ويعود المتظاهرون إلي بيوتهم ، لكن جدية
هؤلاء دفعت بالحكومة علي ورأسها رئيس الوزراء إلي الاستنجاد بدول مجلس التعاون
الخليجي ، والأقرب كانت السعودية التى أرسلت قوات من المغاوير المدربين علي حرب
المدن تحت غطاء قوات درع الجزيرة وتبعها قوات من الإمارات العربية المتحدة ثم قطر
وهذه الأخيرة سحبت قواتها بعد اسبوع واحد ، فيما الكويت رفضت ارسال قوات المعاوير
لأن دستورها والإتفاقيات المبرمة فى اطار مجلس التعاون الخليجي تمنع دخول قوات
للمشاركة فى أي شأن داخلي ما لم يكن هناك خطر خارجي .
الأيام مضت والقمع فاق ما تصوره الناس ، فيما وسائل الإعلام
تجاهلت الحدث بذريعة أن ما جري كانت بتخطيط خارجي مدعوم من إيران وحزب الله
اللبناني ، لكن الأيام أثبتت كذب الحكومة البحرينية التى تقدم دليلا واحدا علي
ضلوع إيران أو حزب الله فى دعم التظاهرات ، وإنما تخطبت فى الإتيان بأي برهان دامع
يدين إيران أو حزب الله ، وانكشفت اللعبة التى قادها خليفه بن سلمان لا نقول
بحرفية القائد ولكن بغباء القائد الذي استخدم الطائفية سلاحا لقمع التظاهرات
واسكات صوت البحرينيين سواء أكانوا شيعة أو سنة من المنتمين للجمعيات التقدمية (
إيراهيم الشريف ) وغيرهم ، ولعل أقسي ما واجههته الحكومة البحرينية أنها لم تستطع
وقف السيل الجارف من تداول المعلومات الموثقة عن وسائل التعذيب التى مورست بحق
المعتقلين والتى ت تداولها عبر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي ، وهو الذي
ساهم بشكل لافت إلي نقل حقيقة القمع الذي مورس ضد الأبرياء من الشعب البحريني .
أية حال الوضع فى الداخل ليس كما يتصوره البعض فالقنبلة
الموقوته ستنفجر بأي لحظة ، وانجار القنبلة هذه المرة سيكون علي يد حكومة خليفة بن
سلمان حينما تنفذ أحكام الإعدام بحق أربعة من الشباب المتهمون زروا بقتل شرطي ،
وهو ما ينتظره ويتخوفون منه علي حد سواء .
البحرين لن تعود إلي سابق عهدها فقد اتخذت الحكومة قرارا لم
تحسب حسابه المستقبلي ، قرار تمزيق اللحمة الإجتماعية وساهمت بشكل فاعل فى تقسيم
الشعب غلي طائفتين ، وسبق هذا التجنيس العشوائي بغية تعديل التركيبة الطائفية بعدما
أصبح تفوق الشيعة عددا مثار ازعاج لهم بقدر ما هو فى صالح الحكومة التى لم تتخذ من
غزو الكويت درسا فى الإصطفاف الشعبي حول القيادة الشرعية وذوبان التفرقة المذهبية
عندما اعتدي وغزي صدام الكويت وهو أيضا مثار اعجاب العالم الذي لم يكن يتوقع هذا
الإصطفاف وإن كان فى الحقيقة من مقومات المجتمع الكويتي .
البحرين لن تعود إلي سابق عهدها ، وربما تعود ولكن الأمر
يحتاج غلي عقود طويلة حتي تهدأ النفوس ويصطلح الأمر بعد غياب خليفه بن سلمان عن
الساحة السياسية برحيله أو عزله .